مركز الثقافة والمعارف القرآنية
572
علوم القرآن عند المفسرين
بحكم العقل ، ولا يسمى ذلك الدليل ناسخا ؟ واعتبرنا زوال مثل الحكم ، ولم نعتبر الحكم نفسه ، لأنه لا يجوز أن ينسخ نفس ما أمر به ، لأن ذلك يؤدي إلى البداء . وانما اعتبرنا أن يكون الحكم ثابتا بنص شرعي ، لأن ما ثبت بالعقل إذا أزاله الشرع لا يسمى بأنه نسخ حكم العقل . ألا ترى أن الصلاة والطواف لولا الشرع لكان قبيحا فعله في العقل وإذ أورد الشرع بها لا يقال نسخ حكم العقل ؟ واعتبرنا مع تراخيه عنه ، لأن ما يقترن به لا يسمى نسخا وربما يكون تخصيصا ان كان اللفظ عاما أو مقيدا ان كان اللفظ خاصا . ألا ترى أنه لو قال : اقتلوا المشركين إلّا اليهود لم يكن قوله إلّا اليهود نسخا لقوله اقتلوا المشركين ؟ وكذا لو قال : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر فقيد بهذه الغاية لا يقال لما بعدها نسخ . وكذا لما قال في آية الزنا : فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ « 1 » لا يقال : لما زاد عليه منسوخ لأنه مقيد في اللفظ . والنسخ يصح دخوله في الأمر والنهي بلا خلاف . والخبر ان تناول ما يصح تغييره عن صفة جاز دخول النسخ فيه لأنه في معنى الأمر . ألا ترى أن قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ « 2 » خبر ؟ وقوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ « 3 » أيضا خبر ؟ وكذلك قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً « 4 » خبر ومع ذلك يصح دخول النسخ فيه ؟ ، فاما ما لا يصح تغييره من صفة فلا يصح دخول النسخ فيه ، نحو الإخبار عن صفات اللّه تعالى ، وصفات الأجناس - لما يصح عليه التغيير ، لم يصح فيه النسخ حيث أن العبارة بالإخبار عنه بأنه قادر ، عالم ، سميع بصير ، لا يصح النسخ فيه ، لأنه يمتنع دخول النسخ في الإخبار - ان كان الخبر لا يصح تغييره في نفسه » « 5 » . قال الراغب : « النسخ ، والمسخ يتقاربان - كذا قال الخليل - إلا أن « المسخ » في نقل الأعيان ، والنسخ في نقل الصور ، نحو نسخ الكتاب ، وهو نقل صورة الكتابة إلى غيره من غير إبطال الرسم « 6 » الأول . ونسخ الظّلّ الشمس إذا أزالها « 7 » .
--> ( 1 ) سورة النور . الآية 1 . ( 2 ) سورة آل عمران . الآية 97 . ( 3 ) سورة البقرة . الآية 228 . ( 4 ) سورة آل عمران . الآية 97 . ( 5 ) التبيان ج 1 ص 12 - 13 . ( 6 ) في نسخة : لرسم . ( 7 ) قال مكي بن أبي طالب في كتابه « الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه » : النسخ يأتي في كلام العرب على